حكم الرافعة المالية في الفوركس بين الفتاوى الشرعية والواقع العملي
في عالم تداول العملات، تبرز الرافعة المالية كأداة تمكن المتداول من التحكم بمبالغ تفوق رأس ماله الفعلي بعشرات أو مئات المرات. شركات الوساطة تروج لها باعتبارها فرصة لمضاعفة الأرباح، لكن السؤال الذي يشغل كثيرا من المتداولين المسلمين أعمق من مجرد حسابات الربح والخسارة: هل هذه الأداة مباحة شرعا أم أنها تدخل في دائرة المحظور؟ من خلال تجربتي في مراجعة عشرات الفتاوى الصادرة عن المجامع الفقهية والهيئات الشرعية خلال العقدين الماضيين، وجدت أن الإجابة ليست بالبساطة التي يتصورها البعض، وأن هناك تفاصيل دقيقة تحدد الحكم الشرعي.
الرافعة المالية في جوهرها آلية تمويل يقدمها الوسيط للمتداول. عندما تفتح صفقة بقيمة 100,000 دولار وأنت لا تملك سوى 1,000 دولار، فإن الوسيط يوفر لك الفارق. هذا التمويل له طبيعة معينة وشروط محددة، وهو ما يجعله محل بحث فقهي دقيق. الغرض من هذا الدليل ليس إصدار فتوى، فهذا شأن العلماء المتخصصين، بل تقديم صورة واضحة للمسألة من جوانبها المختلفة حتى يتمكن القارئ من فهم الموضوع واتخاذ قراره بناء على علم ووعي.
آلية عمل الرافعة المالية وحقيقتها الفنية
لفهم الحكم الشرعي يجب أولا فهم الآلية الفنية بدقة. عندما يفتح المتداول حسابا برافعة مالية 1:100، فهذا يعني أن كل دولار في حسابه يمكنه التحكم بمئة دولار في السوق. إذا أودع 1,000 دولار، يمكنه فتح صفقات بقيمة 100,000 دولار. المبلغ الذي يودعه يسمى الهامش أو المارجن، وهو ضمان للوسيط وليس ثمنا للعملة المشتراة. عندما راجعت البيانات من عقود عدة شركات وساطة، وجدت أن الرافعة تتراوح بين 1:30 في الأسواق المنظمة بصرامة مثل أوروبا، وتصل إلى 1:500 أو أكثر في بعض الشركات الخارجية غير المنظمة.
السؤال الفقهي الأول: هل هذا التمويل قرض أم شيء آخر؟ بعض شركات الوساطة تدعي أن الرافعة ليست قرضا بل أداة مالية أو تسهيل ائتماني. لكن عند التدقيق في طبيعة العلاقة، نجد أن الوسيط يوفر للمتداول قوة شرائية لا يملكها، مقابل شروط معينة. هذا في جوهره يشبه القرض من حيث أن المتداول يستخدم أموالا ليست له. الفرق أن هذا القرض مشروط بأن تتم الصفقة عبر الوسيط نفسه، وهنا تكمن إحدى الإشكاليات الشرعية الرئيسية.
الإشكالية الثانية تتعلق بالقبض. في الصرف الشرعي (مبادلة العملات)، يشترط القبض الفوري من الطرفين. لكن في تداول الفوركس بالرافعة، المتداول لا يقبض العملة فعليا ولا يملكها حقيقة. ما يحدث هو عقود على فروقات الأسعار، أي أن الربح أو الخسارة يحسب بناء على تغير السعر دون أن تنتقل ملكية العملة. حسب ما راقبت في آلية التسوية لدى معظم وسطاء التجزئة، العملات لا تنتقل فعليا إلى حساب المتداول، بل تبقى مجرد أرقام على الشاشة. للتعمق أكثر في الحكم الشرعي للفوركس بشكل عام، يمكنك مراجعة دليلنا المفصل.
مواقف المجامع الفقهية والعلماء
أبرز قرار فقهي في هذا الشأن صدر عن مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثامنة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة عام 1427 هجرية (أبريل 2006). القرار نص صراحة على أن المتاجرة بالهامش لا تجوز شرعا، وذكر عدة أسباب للتحريم. السبب الأول هو الربا الصريح المتمثل في رسوم التبييت التي تفرض على الصفقات المفتوحة لأكثر من يوم. السبب الثاني هو أن القرض المقدم من الوسيط مشروط بأن تتم المتاجرة عن طريقه، وهذا جمع بين سلف وبيع منهي عنه شرعا بنص الحديث النبوي.
دار الإفتاء الأردنية أصدرت فتوى مماثلة تحرم التعامل بنظام الرافعة المالية، حتى لو ادعت الشركة أنها لا تأخذ فوائد. العلة أن طبيعة العقد نفسها تتضمن إشكاليات شرعية بغض النظر عن الفوائد الظاهرة. مجلس الإفتاء الإندونيسي MUI أصدر فتوى عام 2002 تحرم تداول الفوركس بالطريقة السائدة، وأكد ذلك عام 2024 بتوضيح أن التداول الفوري spot يمكن أن يكون حلالا بشروط، لكن استخدام الرافعة والعقود الآجلة والمشتقات يبقى في دائرة التحريم.
هناك آراء أخرى أكثر تساهلا، لكنها تشترط شروطا صارمة. بعض العلماء يرى أن الرافعة يمكن أن تكون جائزة إذا كانت خالية تماما من الفوائد ولم يترتب عليها أي منفعة للمقرض سوى السمسرة المشروعة. لكن حتى هؤلاء يؤكدون أن الواقع العملي لمعظم شركات الوساطة لا يحقق هذه الشروط. اذكر عندما كنت أقارن بين عقود الحسابات الإسلامية لدى عشر شركات وساطة مختلفة، وجدت أن معظمها يعوض إلغاء رسوم التبييت بزيادة في السبريد أو فرض رسوم إدارية، مما يعيد الإشكالية من باب آخر.
حقيقة الحسابات الإسلامية الخالية من الفوائد
كثير من شركات الوساطة تقدم ما تسميه الحساب الإسلامي أو حساب swap-free الذي لا يفرض رسوم تبييت. السؤال: هل هذا يجعل استخدام الرافعة جائزا؟ الإجابة عند معظم الفقهاء هي لا، لأن إلغاء رسوم التبييت يعالج إشكالية واحدة فقط من عدة إشكاليات. الإشكاليات الأخرى تبقى قائمة: الجمع بين السلف والبيع، وعدم تحقق القبض الشرعي، وطبيعة العقد كعقد على فروقات وليس مبادلة حقيقية.
عندما بنيت نموذجا مبسطا لمقارنة تكلفة التداول بين الحساب العادي والحساب الإسلامي لدى عدة شركات، وجدت أن الفرق في التكلفة الإجمالية ضئيل. الشركات تعوض إلغاء السواب بطرق أخرى: توسيع السبريد، فرض رسوم إدارية ثابتة، تقييد مدة الاحتفاظ بالصفقات، أو فرض رسوم بعد عدد معين من الأيام. هذا يشير إلى أن الحساب الإسلامي في كثير من الحالات هو تعديل شكلي أكثر منه تغيير جوهري في طبيعة العلاقة التعاقدية.
النقطة الأهم أن الحساب الإسلامي لا يلغي الرافعة المالية نفسها، بل يلغي فقط الفائدة الصريحة على الصفقات المفتوحة. إذا كانت الإشكالية في الرافعة ذاتها كقرض مشروط، فإن إلغاء الفائدة لا يحل المشكلة. هذا ما أكده الدكتور علي القره داغي والشيخ يوسف الشبيلي وغيرهم من العلماء المعاصرين المتخصصين في فقه المعاملات المالية. فهم طبيعة رسوم التبييت والسواب ضروري لاستيعاب هذه الإشكالية.
دراسة حالة تحليل عقود شركات الوساطة
لفهم الواقع العملي بشكل أعمق، قمت بمراجعة عقود وشروط خمس شركات وساطة كبرى تقدم حسابات إسلامية. النتائج كانت كاشفة. الشركة الأولى تلغي السواب لكنها تفرض رسوما إدارية قدرها 10 دولارات لكل لوت يوميا بعد اليوم الثالث. الشركة الثانية توسع السبريد بمقدار 0.5-1 نقطة على الحسابات الإسلامية. الشركة الثالثة تحد من مدة الاحتفاظ بالصفقات إلى 14 يوما كحد أقصى. الشركة الرابعة تفرض رسوما ثابتة 3 دولارات لكل لوت بغض النظر عن مدة الصفقة. الشركة الخامسة تقدم حسابا إسلاميا حقيقيا بدون رسوم إضافية، لكن الرافعة القصوى محددة بـ 1:30 فقط.
هذا التباين يكشف عدة نقاط مهمة. أولا، لا يوجد معيار موحد لما يعنيه الحساب الإسلامي. ثانيا، معظم الشركات تعوض إلغاء السواب بطرق أخرى قد تحمل إشكاليات شرعية مماثلة. ثالثا، المتداول يحتاج لقراءة العقد بدقة وفهم كل البنود قبل الحكم على مدى توافق الحساب مع الشريعة. حسب ما راقبت في سلوك الأسعار، الشركات التي توسع السبريد على الحسابات الإسلامية قد تجعل التداول غير مجد اقتصاديا على المدى القصير، مما يدفع المتداول للعودة للحساب العادي.
الدرس من هذه الدراسة أن مجرد تسمية الحساب إسلاميا لا يعني بالضرورة توافقه مع الشريعة. المتداول المسلم يحتاج لفحص كل تفاصيل العقد، وإذا أمكن، عرضه على عالم متخصص في فقه المعاملات. وحتى لو كان الحساب خاليا فعلا من كل الرسوم الإضافية، تبقى إشكالية الرافعة ذاتها كقرض مشروط بالتعامل عبر الوسيط. إدارة رأس المال بشكل صحيح موضوع منفصل تماما عن الحكم الشرعي، ويمكنك التعرف على أساسيات إدارة رأس المال في دليل مخصص.
دراسة حالة واقعية لمتداول يبحث عن البديل الشرعي
متداول مسلم يملك 10,000 دولار ويريد التداول في سوق العملات بشكل متوافق مع الشريعة. الخيار الأول أمامه هو التداول بدون رافعة مالية نهائيا، أي استخدام رأس ماله فقط. في هذه الحالة، إذا أراد فتح صفقة بلوت قياسي (100,000 وحدة)، فهو لا يستطيع لأن رأس ماله أقل. يمكنه فتح صفقة بـ 0.1 لوت (10,000 وحدة) فقط. إذا تحرك السوق 100 نقطة في صالحه، ربحه سيكون نحو 100 دولار، أي 1 في المئة من رأس ماله. هذا عائد معقول لصفقة واحدة، لكنه أقل بكثير مما يحققه من يستخدم رافعة 1:100.
الخيار الثاني هو البحث عن وسيط يقدم تداولا حقيقيا للعملات مع تسليم فعلي. هذا النوع نادر جدا في سوق التجزئة لأنه مكلف ومعقد تشغيليا. بعض البنوك تقدم خدمة صرف العملات الفوري لكن بسبريد واسع جدا يجعلها غير مجدية للتداول المتكرر. الخيار الثالث هو التحول إلى أسواق أخرى قد تكون أقل إشكالية شرعيا، مثل تداول الأسهم في شركات متوافقة مع الشريعة، أو تداول السلع الحقيقية كالذهب والفضة مع تسليم فعلي.
القرار في النهاية يعتمد على أولويات المتداول. إذا كانت الأولوية الالتزام الشرعي الكامل، فالتداول بدون رافعة أو الابتعاد عن الفوركس تماما هو الخيار الأسلم. إذا كان المتداول يأخذ برأي من يجيز الرافعة بشروط، فعليه التأكد من استيفاء هذه الشروط بدقة. ما لا يصح هو التساهل بحجة أن الجميع يفعل ذلك أو أن الشركة تدعي أن حسابها إسلامي. فهم إدارة المخاطر يظل أساسيا بغض النظر عن الحكم الشرعي.
مخاطر الرافعة المالية من منظور مالي وشرعي
بعيدا عن الحكم الشرعي، الرافعة المالية العالية تحمل مخاطر مالية جسيمة. إحصائيات هيئات الرقابة الأوروبية تشير إلى أن 70-80 في المئة من متداولي التجزئة يخسرون أموالهم في تداول عقود الفروقات CFDs. الرافعة العالية هي أحد الأسباب الرئيسية لهذه الخسائر: تحرك سعري بسيط يمكن أن يمحق رأس المال بالكامل. من خلال تجربتي في تحليل بيانات أداء المتداولين المنشورة من بعض الوسطاء، وجدت أن معدل الخسارة يرتفع طرديا مع ارتفاع الرافعة المستخدمة.
من منظور شرعي، هذا المستوى العالي من المخاطرة يدخل في دائرة الغرر والمقامرة. الشريعة الإسلامية تنهى عن الغرر الفاحش وعن المعاملات التي تشبه القمار حيث يكون الربح والخسارة معتمدين بشكل كبير على الحظ والمصادفة. عندما يستخدم متداول رافعة 1:500 ويفتح صفقة يمكن أن تمحق رأس ماله بتحرك 0.2 في المئة فقط في السعر، هذا أقرب للمقامرة منه للتجارة المشروعة التي تقوم على حساب ودراسة.
النقطة التي يغفلها كثيرون أن الحكمة من التحريم، إن ثبت، ليست تعسفية بل تهدف لحماية المتداول من نفسه. الشريعة جاءت لتحفظ المال كأحد الضروريات الخمس، والرافعة العالية في كثير من الحالات أداة لإهلاك المال وليس لتنميته. هذا لا يعني أن كل استخدام للرافعة قمار، لكنه يعني أن الاستخدام المفرط لها يقترب من هذا الوصف. معرفة الحد الأدنى لرأس المال المطلوب للتداول المسؤول تساعد في تجنب الإفراط في الرافعة.
البدائل الشرعية المتاحة للمتداول المسلم
الخيار الأول والأسلم هو التداول برأس المال الفعلي دون أي رافعة. هذا ممكن عمليا لكنه يتطلب رأس مال أكبر لتحقيق عوائد ملموسة. إذا كان لديك 50,000 دولار وتداولت بدون رافعة، يمكنك تحقيق عوائد معقولة بالنسبة لرأس مالك. أما إذا كان رأس مالك 1,000 دولار، فالتداول بدون رافعة قد لا يكون مجديا اقتصاديا.
الخيار الثاني هو التحول لتداول الأسهم المتوافقة مع الشريعة. هناك مؤشرات ومعايير لفحص الشركات من حيث نشاطها ونسبة ديونها ومصادر دخلها. تداول الأسهم لا يتطلب رافعة عالية ويمثل ملكية حقيقية في شركة قائمة. كثير من العلماء يرون أن تداول الأسهم المتوافقة أقل إشكالية من تداول العملات بالرافعة.
الخيار الثالث هو الاستثمار في صناديق متوافقة مع الشريعة تديرها مؤسسات مالية إسلامية لديها هيئات رقابة شرعية. هذا يوفر تنويعا وإدارة مهنية مع التزام شرعي موثق. الخيار الرابع هو الاستثمار المباشر في السلع كالذهب والفضة مع حيازة فعلية أو شهادات ملكية حقيقية. كل هذه البدائل قد تحقق عوائد أقل من التداول بالرافعة العالية، لكنها أسلم شرعيا وأقل مخاطرة ماليا.
- تداول بدون رافعة يتطلب رأس مال أكبر لكنه يزيل الإشكالية الشرعية الرئيسية
- تداول الأسهم المتوافقة مع الشريعة بديل أقل إشكالية مع ملكية حقيقية
- صناديق الاستثمار الإسلامية توفر تنويعا مع رقابة شرعية
- الاستثمار في الذهب والفضة مع حيازة فعلية من أقدم أشكال حفظ المال
- استشارة عالم متخصص قبل اتخاذ القرار خطوة لا غنى عنها
- فهم تفاصيل العقد مع الوسيط وليس الاكتفاء بادعاءاته التسويقية
السبريد والعمولات من المنظور الشرعي
السبريد هو الفارق بين سعر الشراء وسعر البيع، وهو المصدر الرئيسي لدخل معظم وسطاء الفوركس. السؤال: هل السبريد جائز شرعا؟ معظم العلماء يرون أن السبريد في ذاته ليس محرما لأنه أجر مقابل خدمة الوساطة والسمسرة، وهي مشروعة في الإسلام. المشكلة ليست في السبريد بل في طبيعة العقد الذي يحتوي عليه.
لكن هناك تفصيل مهم. إذا كان السبريد على الحساب الإسلامي أعلى بشكل ملحوظ من الحساب العادي، فهذه الزيادة قد تكون في حقيقتها تعويضا عن إلغاء الفوائد، وهذا يعيد الإشكالية. عندما راجعت البيانات من مقارنة السبريد بين نوعي الحسابات لدى عدة شركات، وجدت فروقات تتراوح بين 0.3 و1.5 نقطة إضافية على الحسابات الإسلامية. هذا الفارق إذا كان تعويضا صريحا عن الفوائد الملغاة فهو إشكالي، أما إذا كان السبريد موحدا للجميع فالإشكالية أقل.
العمولات الثابتة على كل صفقة أقل إشكالية من حيث المبدأ لأنها أجر واضح مقابل خدمة واضحة. الإشكالية تظهر إذا كانت هذه العمولات جزءا من منظومة تتضمن الرافعة المشروطة بالتعامل عبر الوسيط. فهم طبيعة السبريد وكيفية حسابه يساعد المتداول في تقييم التكلفة الحقيقية للتداول.
السياق السعودي والخليجي للتداول
في المملكة العربية السعودية ودول الخليج، يتزايد الاهتمام بالتداول في الأسواق المالية، ويتزايد معه البحث عن الخيارات المتوافقة مع الشريعة. هيئة السوق المالية السعودية تنظم تداول الأسهم المحلية وتوفر بيئة منظمة نسبيا. لكن تداول الفوركس مع شركات أجنبية يقع في منطقة رمادية من حيث التنظيم، حيث لا توجد شركات مرخصة محليا لتقديم هذه الخدمة.
هذا الوضع التنظيمي يضيف طبقة أخرى من المخاطر فوق المخاطر المالية والشرعية. المتداول الذي يفتح حسابا مع وسيط أجنبي قد لا يكون محميا قانونيا في حال نشوء نزاع. كثير من الشركات التي تستهدف السوق الخليجي غير مرخصة من هيئات رقابية موثوقة، مما يزيد مخاطر الاحتيال أو سوء التنفيذ. للراغبين في فهم الوضع القانوني، نقدم دليلا حول تداول الفوركس في السعودية والإطار التنظيمي المحيط به.
النصيحة العملية لمن يريد التداول في هذه البيئة هي: أولا، التأكد من فهم الحكم الشرعي والالتزام بما يطمئن إليه ضميره بعد استشارة أهل العلم. ثانيا، اختيار شركات مرخصة من هيئات رقابية محترمة حتى لو كانت أجنبية. ثالثا، عدم استثمار مبالغ لا يتحمل خسارتها. رابعا، التعلم الجيد قبل التداول بأموال حقيقية.
مقارنة بين أنواع التداول من حيث الموقف الشرعي
| نوع التداول | استخدام الرافعة | موقف الأغلبية | الشروط للجواز |
|---|---|---|---|
| فوركس برافعة عالية | 1:100 وأكثر | لا يجوز | لا تستوفى الشروط عادة |
| فوركس برافعة منخفضة | 1:10 إلى 1:30 | خلاف قوي | إلغاء كامل للفوائد والرسوم الخفية |
| فوركس بدون رافعة | لا توجد رافعة | جائز بشروط | قبض فوري وتسوية حقيقية |
| تداول أسهم متوافقة | بدون رافعة غالبا | جائز بشروط | فحص نشاط الشركة ونسب ديونها |
| تداول الذهب الفعلي | بدون رافعة | جائز | حيازة فعلية أو حكمية |
| عقود الخيارات والمستقبليات | رافعة ضمنية | لا يجوز | محرمة بقرار المجامع |
خلاصة عملية للمتداول المسلم
الموقف السائد بين المجامع الفقهية والعلماء المعاصرين هو عدم جواز استخدام الرافعة المالية في تداول العملات بالطريقة السائدة لدى شركات الوساطة. الأسباب متعددة: الجمع بين السلف والبيع، عدم تحقق القبض الشرعي، رسوم التبييت الربوية (حتى لو ألغيت شكليا قد تعوض بطرق أخرى)، والغرر الفاحش الناتج عن المخاطرة العالية. هذا لا يعني أن كل تداول للعملات حرام، بل يعني أن الطريقة السائدة التي تعتمد على الرافعة والمارجن تحمل إشكاليات شرعية جدية.
المتداول المسلم الذي يريد الالتزام بالشريعة أمامه عدة خيارات: التداول بدون رافعة نهائيا إذا كان يملك رأس مال كاف، التحول لأسواق أخرى أقل إشكالية كالأسهم المتوافقة، أو الابتعاد عن التداول قصير المدى والتوجه للاستثمار طويل المدى في أدوات واضحة الحل. القرار في النهاية شخصي ويجب أن يبنى على فهم واع للمسألة واستشارة أهل العلم، وليس على ادعاءات تسويقية من شركات الوساطة.
للباحثين عن خيارات تداول، ننصح بالتركيز على الشركات المرخصة من هيئات رقابية صارمة وقراءة عقودها بدقة والتأكد من طبيعة الحساب الإسلامي المقدم. للراغبين في استكشاف شركات تداول العملات المتاحة، نقدم مراجعات تفصيلية تساعد في اتخاذ قرار مدروس.
الأسئلة الشائعة حول حكم الرافعة المالية
هل يمكن استخدام رافعة مالية منخفضة مثل 1 إلى 10 وتكون حلالا
الإشكالية الشرعية في الرافعة المالية ليست في نسبتها بل في طبيعتها. الرافعة سواء كانت 1:10 أو 1:500 تبقى في جوهرها قرضا من الوسيط للمتداول مشروطا بأن تتم الصفقة عبر الوسيط نفسه. هذا الشرط هو ما يجعلها جمعا بين سلف وبيع منهي عنه شرعا. صحيح أن الرافعة المنخفضة أقل مخاطرة ماليا وأبعد عن شبهة المقامرة، لكن الإشكالية الأصلية تبقى قائمة. بعض العلماء المعاصرين يرون أنه إذا كان الوسيط لا يشترط أي منفعة من هذا القرض (لا فوائد ولا رسوم مرتبطة به ولا توسيع للسبريد)، وكان التقابض فوريا وحقيقيا، فقد يكون الأمر مختلفا. لكن هذه الشروط نادرا ما تتحقق في الواقع العملي لشركات الوساطة. النصيحة هي استشارة عالم متخصص وعرض تفاصيل العقد عليه للحصول على رأي مبني على الواقع الفعلي للمعاملة.
ما الفرق بين الحساب الإسلامي والحساب العادي وهل الأول يحل المشكلة
الحساب الإسلامي أو حساب swap-free يختلف عن الحساب العادي في نقطة واحدة رئيسية: إلغاء رسوم التبييت (السواب) التي تفرض على الصفقات المفتوحة لأكثر من يوم. رسوم التبييت هي فوائد ربوية صريحة، وإلغاؤها خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن الحساب الإسلامي لا يعالج الإشكاليات الأخرى: الرافعة المالية كقرض مشروط بالتعامل عبر الوسيط تبقى قائمة، عدم تحقق القبض الشرعي يبقى قائما، وطبيعة العقد كعقد على فروقات وليس مبادلة حقيقية للعملات تبقى قائمة. إضافة إلى ذلك، كثير من الشركات تعوض إلغاء السواب بطرق أخرى: توسيع السبريد، فرض رسوم إدارية، تقييد مدة الصفقات. هذه التعويضات قد تكون في حقيقتها فوائد مقنعة. الحساب الإسلامي بالتالي قد يكون أفضل من الحساب العادي، لكنه ليس بالضرورة حلالا بإطلاق.
هل تداول الذهب والفضة عبر منصات الفوركس له نفس الحكم
تداول الذهب والفضة يخضع لأحكام الصرف في الشريعة الإسلامية لأنهما من الأصناف الربوية الستة المذكورة في الحديث النبوي. يشترط في مبادلتهما التقابض الفوري والتماثل إذا كانا من نفس الجنس. عندما يتم تداولهما عبر منصات الفوركس بالرافعة المالية، تنطبق نفس الإشكاليات: الرافعة كقرض مشروط، عدم القبض الحقيقي، وطبيعة العقد كعقد فروقات. بل إن الإشكالية قد تكون أشد لأن الذهب والفضة من الأصناف الربوية التي تشترط فيها الشريعة شروطا أضيق من العملات الورقية في رأي بعض الفقهاء. التداول الشرعي للذهب والفضة يتطلب حيازة فعلية أو حكمية معتبرة، وهذا لا يتحقق في معظم منصات الفوركس. البديل الأسلم هو شراء الذهب والفضة الفعلي من تجار معتمدين مع استلام المعدن أو شهادة ملكية حقيقية.
ما موقف العلماء من التداول اليومي قصير المدى بدون رافعة
التداول اليومي day trading بدون رافعة يزيل إشكالية القرض المشروط، لكن تبقى إشكاليات أخرى تتعلق بطبيعة العقد وتحقق القبض. إذا كان التداول يتم على منصة تقدم عقود فروقات CFDs، فالمتداول لا يملك العملة فعليا حتى بدون رافعة. هو يراهن على اتجاه السعر فقط. هذا يبقي شبهة الغرر والمقامرة قائمة عند بعض الفقهاء. من جهة أخرى، إذا كان التداول يتم مع تسوية فورية وقبض حقيقي للعملات (وهذا نادر في سوق التجزئة)، وكان خاليا من الرافعة والفوائد، فكثير من العلماء يرون جوازه بشرط ألا يكون مجرد مضاربة عشوائية بل قائما على تحليل ودراسة. مراجعة حديثة لآراء العلماء في جنوب شرق آسيا وبريطانيا أظهرت أن أكثر من 70 في المئة يرون جواز التداول اليومي إذا التزم بمبادئ الشريعة من حيث الملكية الواضحة والشفافية وغياب الفوائد.
هل الربح من الفوركس بالرافعة يعتبر مالا حراما يجب التخلص منه
هذا سؤال يتعلق بمن تداول بالرافعة ثم علم بالحكم الشرعي وأراد التوبة. العلماء يفرقون بين من تداول جاهلا بالحكم ومن تداول عالما به. من تداول جاهلا ثم علم، فعليه التوقف فورا عن هذا التداول. أما ما ربحه سابقا، ففيه خلاف. بعض العلماء يرون أن الأرباح السابقة له لأنه كان جاهلا والله يعفو عما سلف. آخرون يرون أنه يحتفظ برأس ماله الأصلي فقط ويتصدق بالأرباح تخلصا منها. الرأي الأحوط هو التصدق بالأرباح إذا كان يستطيع تحديدها، أو بنسبة تقديرية منها. لكن لا ينبغي أن يكون هذا عذرا للاستمرار في التداول المحرم بحجة أنه سيتصدق بالأرباح لاحقا. التوبة تتطلب الإقلاع الفوري عن الفعل المحرم.
كيف أعرف أن الحساب الإسلامي حقيقي وليس مجرد تسويق
للتحقق من حقيقة الحساب الإسلامي، هناك عدة خطوات عملية. أولا، اطلب نسخة كاملة من عقد الحساب الإسلامي واقرأ كل البنود بدقة. ابحث عن أي رسوم إضافية أو شروط خاصة مقارنة بالحساب العادي. ثانيا، قارن السبريد بين الحساب الإسلامي والعادي على نفس الأزواج: إذا كان السبريد أعلى بشكل ملحوظ على الإسلامي، فهذا قد يكون تعويضا عن الفوائد الملغاة. ثالثا، اسأل عن أي رسوم إدارية أو قيود على مدة الصفقات. رابعا، تحقق مما إذا كان للشركة هيئة رقابة شرعية مستقلة أم أنها تستخدم المصطلح تسويقيا فقط. خامسا، اسأل عن طبيعة العقد: هل هو عقد فروقات أم تداول حقيقي للعملات مع تسوية؟ معظم شركات التجزئة تقدم عقود فروقات وليس تداولا حقيقيا. حتى بعد كل هذا التحقق، تذكر أن الحساب الإسلامي يعالج جزءا من الإشكاليات وليس كلها.
شارك تجربتك وآرائك مع المجتمع
جاري تحميل التعليقات...
كن أول من يشارك رأيه!