الحكم الشرعي في الأسهم الأمريكية حلال أم حرام
يتجه عدد متزايد من المستثمرين العرب والخليجيين نحو أسهم السوق الأمريكي باعتباره أكبر سوق مالي في العالم من حيث القيمة السوقية وعدد الشركات المدرجة، إذ يضم عمالقة التقنية والصناعة والرعاية الصحية الذين يصعب إيجاد نظراء لهم في الأسواق المحلية. غير أن المسلم الحريص على ماله ودينه لا يكتفي بالنظر إلى حجم الفرص أو العوائد المتوقعة، بل يسأل أولاً عن الحكم الشرعي في الأسهم الأمريكية قبل أن يضع ريالاً واحداً في هذا السوق، لأن المال في التصور الإسلامي أمانة يُسأل عنها صاحبها من أين اكتسبه وفيم أنفقه.
وقد تناولت هيئات الفتوى والمجامع الفقهية المعاصرة مسألة الاستثمار في الأسهم بشكل عام، كما صدرت قرارات ودراسات متعددة من لجان الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية حول ضوابط هذا النوع من الاستثمار. وبما أن كثيراً من القراء ينطلقون من السوق السعودي بوصفه أكبر سوق خليجي، فإن من المفيد الاطلاع على الحكم الشرعي للتداول في السعودية لفهم الإطار العام الذي تنطلق منه الفتاوى، ثم تطبيق هذه المبادئ على الأسهم الأمريكية مع مراعاة خصوصيات ذلك السوق. والهدف من هذا المقال ليس إصدار فتوى شخصية، وإنما عرض منظم لما قاله أهل العلم والهيئات الشرعية المعتبرة حتى يتمكن القارئ من تكوين تصور واضح يعينه على اتخاذ قراره بعد استشارة من يثق بعلمه ودينه.
لماذا يهم الحكم الشرعي في الأسهم الأمريكية؟
قد يتساءل بعض الناس عن سبب التدقيق في الحكم الشرعي طالما أن الهدف هو تنمية المال وتحقيق عوائد مالية مشروعة، والجواب أن الإسلام لا يفصل بين الدنيا والآخرة في باب المعاملات، فالربح المحرم لا يُبارك فيه مهما عظم مقداره، والخسارة في مال حلال خير من الربح في مال حرام. ثم إن المستثمر حين يشتري سهماً في شركة ما فإنه يصبح شريكاً في أصولها ونشاطها وأرباحها، فإن كان نشاط الشركة قائماً على بيع الخمور أو إدارة صالات القمار أو الإقراض الربوي، فإن المستثمر يكون شريكاً في هذا النشاط المحرم بقدر حصته، وهذا ما يجعل السؤال عن الحكم الشرعي ضرورة وليس ترفاً فكرياً.
كذلك فإن ضخامة السوق الأمريكي وشهرته العالمية لا تعني بالضرورة أن كل ما فيه مباح، فكثير من الشركات الكبرى تمارس أنشطة محرمة صراحة أو تتعامل بالربا اقتراضاً وإقراضاً بنسب عالية، وبعضها يستثمر فوائضه المالية في أدوات ربوية. ومن هنا جاءت حاجة المسلم إلى منهج واضح يميّز به بين ما يجوز الاستثمار فيه وما لا يجوز، بدلاً من الانسياق وراء الأرقام والعوائد دون نظر في مصدرها وطبيعتها.
الأساس الشرعي العام للاستثمار في الأسهم
ينطلق الحكم الشرعي في الأسهم من تكييف طبيعة السهم نفسه، والسهم في حقيقته يمثل حصة شائعة في ملكية الشركة بما تملكه من أصول ثابتة ومتداولة وما عليها من التزامات، فالمساهم شريك حقيقي وليس مجرد مقرض أو صاحب سند دين. وبناء على هذا التكييف، فإن حكم الاستثمار في السهم يدور مع حكم نشاط الشركة التي يمثلها هذا السهم، فإن كان النشاط مباحاً في أصله كالصناعة والتجارة والزراعة والتقنية والخدمات المشروعة، فإن الأصل جواز الاستثمار فيه، وإن كان النشاط محرماً كصناعة الخمور أو إنتاج المواد الإباحية أو إدارة الكازينوهات أو الإقراض الربوي المحض، فإن الاستثمار فيه محرم باتفاق.
غير أن الإشكال يقع في الشركات التي يكون نشاطها الأساسي مباحاً لكنها تتعامل بالربا اقتراضاً أو إقراضاً، أو تحصل على جزء من إيراداتها من مصادر محرمة. وهنا اختلفت أنظار العلماء المعاصرين، فمنهم من شدد ومنع الاستثمار في أي شركة لها تعامل ربوي مهما قلّت نسبته، ومنهم من رأى جواز الاستثمار في الشركات التي يكون نشاطها الأصلي مباحاً إذا كانت نسبة التعاملات المحرمة ضمن حدود معينة، مع وجوب التخلص من الجزء المحرم بإخراجه من الأرباح والتصدق به تطهيراً للمال. وقد صدرت عن بعض الهيئات الشرعية معايير رقمية تحدد هذه النسب، منها ما يتعلق بنسبة الديون الربوية إلى إجمالي الأصول، ونسبة الإيرادات المحرمة إلى إجمالي الإيرادات، ونسبة السيولة المودعة في حسابات ربوية.
العناصر الأساسية في تقييم شرعية السهم
| العنصر | كيف ينظر إليه أهل العلم |
|---|---|
| نشاط الشركة الأساسي | إذا كان النشاط محرماً في ذاته كالخمور والقمار والربا المحض فالسهم محرم قطعاً، وإذا كان مباحاً كالتقنية والصناعة والتجارة المشروعة فالأصل الجواز مع النظر في بقية العناصر. |
| نسبة الديون الربوية | بعض الهيئات تشترط ألا تتجاوز الديون الربوية نسبة معينة من إجمالي أصول الشركة أو قيمتها السوقية، وتتفاوت هذه النسبة بين المعايير المختلفة لكنها غالباً تدور حول الثلث أو أقل. |
| نسبة الإيرادات المحرمة | يُشترط أن تكون الإيرادات الناتجة عن أنشطة محرمة ضمن نسبة ضئيلة جداً من إجمالي إيرادات الشركة، وما زاد عن ذلك يُخرج الشركة من دائرة الجواز عند أصحاب هذا القول. |
| السيولة والاستثمارات الربوية | ينظر بعض العلماء إلى نسبة السيولة المودعة في حسابات بنكية ربوية أو المستثمرة في سندات ربوية، ويشترطون ألا تتجاوز حداً معيناً. |
| التخلص من الجزء المحرم | من يرى جواز الاستثمار في الشركات المختلطة يوجب على المستثمر حساب نسبة الإيرادات المحرمة من أرباحه والتصدق بها تطهيراً، دون أن يحتسبها من زكاته أو صدقاته الاختيارية. |
تطبيق هذه الضوابط على الأسهم الأمريكية تحديداً
يتميز السوق الأمريكي بتنوع هائل في أنواع الشركات المدرجة، فهناك شركات التقنية العملاقة التي تعمل في البرمجيات والأجهزة والخدمات الرقمية، وشركات الرعاية الصحية والأدوية، وشركات السلع الاستهلاكية والتجزئة، وشركات الصناعة والطاقة، إلى جانب شركات الخدمات المالية والبنوك وشركات التأمين. وكل قطاع من هذه القطاعات له خصوصيته من الناحية الشرعية، فشركات البنوك التقليدية مثلاً نشاطها الأساسي قائم على الإقراض والاقتراض الربوي فهي محرمة عند عامة أهل العلم، بينما شركات التقنية التي تبيع منتجات وخدمات مباحة قد تكون جائزة إذا استوفت بقية الشروط المتعلقة بالديون والإيرادات.
ومن الشركات الأمريكية ما يكون نشاطها محرماً صراحة كشركات إنتاج الخمور والتبغ وشركات الكازينوهات والمراهنات وشركات الترفيه الإباحي، وهذه لا خلاف في حرمة الاستثمار فيها. وهناك شركات نشاطها مباح لكنها تتعامل بالربا بنسب متفاوتة، وهذه هي التي يحتاج المستثمر فيها إلى تدقيق في البيانات المالية ومراجعة للقوائم الشرعية المتخصصة. ولمن يريد الاطلاع على نماذج وقوائم أكثر تفصيلاً، فقد أعددنا مقالاً مخصصاً عن الأسهم الأمريكية الحلال يتناول أمثلة عملية وأسئلة شائعة حول هذا الموضوع.
ومما يجدر التنبيه إليه أن تصنيف الشركة قد يتغير من سنة إلى أخرى بحسب تغير بياناتها المالية ونسب ديونها وإيراداتها، فالشركة التي كانت ضمن القوائم المباحة في عام معين قد تخرج منها في العام التالي إذا ارتفعت نسبة تعاملاتها الربوية، والعكس صحيح. ولذلك فإن المتابعة الدورية ضرورة لمن يريد الالتزام بالضوابط الشرعية، ولا يكفي الاعتماد على قوائم قديمة دون تحديث.
الاستفادة من تجربة سوق الأسهم السعودية في تصفية الأسهم
انتشرت في السوق السعودي منذ سنوات طويلة فكرة قوائم الأسهم النقية والمختلطة والمحرمة، وأصبح كثير من المستثمرين السعوديين يعتمدون على هذه القوائم في قراراتهم الاستثمارية. ومن أشهر هذه القوائم ما يصدره بعض المختصين الشرعيين بشكل دوري بعد مراجعة البيانات المالية للشركات المدرجة في السوق السعودي. وقد أصبحت قوائم الأسهم النقية للعصيمي مرجعاً معروفاً لدى شريحة واسعة من المستثمرين الذين يبحثون عن معيار عملي للتمييز بين الأسهم من الناحية الشرعية.
ويحاول بعض المستثمرين تطبيق المنهجية ذاتها على الأسهم الأمريكية، أي مراجعة البيانات المالية للشركات الأمريكية وحساب نسب الديون والإيرادات ومقارنتها بالمعايير الشرعية المعتمدة. وهذا ممكن من الناحية النظرية، لكنه يواجه تحديات عملية منها صعوبة الوصول إلى البيانات المالية التفصيلية لآلاف الشركات الأمريكية، واختلاف المعايير المحاسبية بين السوقين، وعدم وجود جهات رقابة شرعية معتمدة تتابع الأسهم الأمريكية بالقدر نفسه الذي تتابع به الأسهم السعودية. ومع ذلك فقد ظهرت بعض المنصات والتطبيقات التي تحاول سد هذه الفجوة بتوفير معلومات عن التصنيف الشرعي للأسهم الأمريكية، وإن كان المستثمر الحصيف ينبغي أن يتحقق من منهجية هذه المنصات ومدى اعتمادها على معايير شرعية موثوقة.
الفرق بين الحكم الشرعي في الأسهم الأمريكية والعملات الرقمية
يخلط بعض الناس بين الحكم الشرعي في الأسهم والحكم الشرعي في العملات الرقمية المشفرة، وهذا خلط غير صحيح لأن طبيعة كل منهما تختلف عن الأخرى اختلافاً جوهرياً. فالسهم كما بيّنا يمثل حصة في ملكية شركة حقيقية لها أصول ونشاط وموظفون وعقود، بينما العملة الرقمية في كثير من الأحوال لا تمثل ملكية في شيء ملموس وإنما هي وحدة رقمية يتداولها الناس بناء على العرض والطلب. ولذلك فإن النقاش الفقهي حول العملات الرقمية يدور حول مسائل مختلفة كالقبض الحكمي وعلة الربا في النقود ومدى اعتبار هذه العملات ثمناً أو سلعة أو مجرد أرقام لا قيمة لها.
ومن هنا فإن من يريد معرفة الحكم الشرعي في العملات الرقمية ينبغي أن يرجع إلى المصادر المتخصصة في هذا الباب، وقد أعددنا مقالاً تفصيلياً عن حكم العملات الرقمية حلال أم حرام يتناول أقوال العلماء والهيئات الشرعية في هذه المسألة المستحدثة. والمقصود هنا التنبيه إلى أن الضوابط التي ذكرناها في الأسهم لا تنطبق بالضرورة على العملات الرقمية، ولكل منهما بحثه الخاص.
ماذا يجب أن يفهمه المبتدئ قبل الغوص في هذه التفاصيل؟
قبل أن ينشغل المستثمر المبتدئ بالتفاصيل الدقيقة للحكم الشرعي ونسب الديون والإيرادات، ينبغي أن يكون لديه فهم أساسي لماهية الاستثمار في الأسهم من الناحية المالية والاقتصادية. فكثير من الأسئلة الشرعية تنبني على فهم صحيح للواقع المالي، ومن لا يعرف ما هو السهم أصلاً وكيف تعمل الشركات وما معنى القيمة السوقية والديون والأرباح والتدفقات النقدية، قد يصعب عليه استيعاب الفتاوى والضوابط الشرعية المتعلقة بها.
ولذلك ننصح من كان في بداية طريقه في عالم الاستثمار أن يبدأ بتعلم الأساسيات أولاً، وقد أعددنا دليلاً شاملاً للمبتدئين في الأسهم يشرح هذه المفاهيم بطريقة مبسطة. فالفهم الصحيح للجانب المالي يساعد المستثمر على فهم الفتاوى الشرعية فهماً أعمق، ويمكّنه من تقييم الشركات بنفسه بدلاً من الاعتماد الكلي على قوائم جاهزة قد لا يفهم أساسها ومنهجيتها.
المقارنة بين منهج الاستثمار الملتزم بالضوابط الشرعية والاستثمار بدون ضوابط
| المحور | المستثمر الملتزم بالضوابط الشرعية | المستثمر غير المهتم بالحكم الشرعي |
|---|---|---|
| اختيار الشركات | يبحث في نشاط الشركة الأساسي أولاً ويستبعد الشركات ذات النشاط المحرم، ثم ينظر في نسب الديون والإيرادات المحرمة قبل اتخاذ قرار الاستثمار. | يركز على العوائد المالية المتوقعة والمؤشرات الفنية دون النظر في طبيعة نشاط الشركة أو مصادر إيراداتها. |
| التعامل مع الأرباح | يحسب نسبة الإيرادات المحرمة إن وجدت ويخرجها من أرباحه تطهيراً للمال، ويحرص على توثيق ذلك. | يأخذ جميع الأرباح دون تمييز بين ما كان مصدره حلالاً وما كان مصدره محرماً. |
| النظرة للمال | يعتبر المال أمانة ووسيلة لا غاية، ويحرص على أن يكون مصدره طيباً حتى لو قلّ العائد. | يعتبر المال غاية في ذاته ويسعى لتعظيمه بأي طريقة متاحة. |
| المتابعة الدورية | يتابع تحديثات القوائم الشرعية ويراجع بيانات الشركات دورياً للتأكد من استمرار مطابقتها للضوابط. | قد يشتري ويحتفظ دون مراجعة لطبيعة نشاط الشركة أو تغيراتها المالية. |
خلاصة أقوال العلماء والهيئات الشرعية
يمكن تلخيص الاتجاهات الرئيسية في الفتوى المعاصرة حول الاستثمار في الأسهم بشكل عام والأسهم الأمريكية بشكل خاص في ثلاثة مسالك رئيسية. المسلك الأول وهو الأشد تحفظاً يرى أصحابه عدم جواز الاستثمار في أي شركة لها تعامل ربوي مهما قلّت نسبته، لأن الربا محرم قليله وكثيره، والشريك في الشركة مسؤول عن تصرفاتها. وهذا القول وإن كان له وجاهته من حيث الورع والاحتياط، إلا أنه يضيّق على المسلمين في واقع أصبحت فيه أغلب الشركات الكبرى تتعامل مع البنوك التقليدية بشكل أو بآخر.
والمسلك الثاني وهو قول كثير من الهيئات الشرعية في المصارف الإسلامية يرى جواز الاستثمار في الشركات التي يكون نشاطها الأساسي مباحاً إذا كانت نسبة التعاملات المحرمة ضمن حدود معينة، مع وجوب التخلص من الجزء المحرم. وقد وضع أصحاب هذا القول معايير رقمية متفاوتة، منهم من اشترط ألا تتجاوز الديون الربوية ثلث أصول الشركة، وألا تتجاوز الإيرادات المحرمة خمسة بالمئة من إجمالي الإيرادات، وهناك من وضع نسباً مختلفة. والمسلك الثالث يتوسع أكثر من ذلك مع التشديد على ضرورة التخلص من كل ما يقابل الجزء المحرم من الأرباح.
والذي ينبغي للمستثمر المسلم أن يفهمه هو أن هذه المسألة من مسائل الاجتهاد التي تعددت فيها أقوال العلماء المعاصرين، وأن عليه أن يأخذ بالقول الذي يطمئن إليه قلبه بعد سؤال من يثق بعلمه ودينه، مع الحرص على تحري الحلال ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. وهذا المقال لا يُصدر فتوى في المسألة وإنما يعرض الاتجاهات العامة ليكون القارئ على بيّنة من الأقوال والأدلة.
ماذا يفعل المستثمر عملياً؟
بعد أن استعرضنا الأساس الشرعي والضوابط العامة، يبقى السؤال العملي: كيف يطبق المستثمر هذا الكلام على أرض الواقع؟ الخطوة الأولى هي التأكد من نشاط الشركة الأساسي، فإذا كانت الشركة تعمل في قطاع محرم صراحة فلا حاجة للنظر في تفاصيل بياناتها المالية. أما إذا كان النشاط مباحاً في أصله، فينتقل المستثمر إلى الخطوة الثانية وهي مراجعة البيانات المالية أو الاعتماد على قوائم متخصصة تقوم بهذا العمل نيابة عنه.
والخطوة الثالثة هي سؤال أهل العلم أو الهيئات الشرعية الموثوقة عما أشكل عليه، خاصة في الشركات التي تقع في منطقة رمادية بين الحل والحرمة. والخطوة الرابعة هي عدم التوسع في الشركات المشكوك فيها والاكتفاء بما هو واضح في حله، عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك”. والخطوة الخامسة هي المتابعة الدورية وعدم الاكتفاء بقرار اتُّخذ مرة واحدة، لأن أوضاع الشركات تتغير من سنة إلى أخرى.
ومما يعين المستثمر في هذا الباب الاستفادة من المنصات والتطبيقات التي توفر معلومات عن التصنيف الشرعي للأسهم، مع التحقق من منهجيتها ومدى اعتمادها على معايير شرعية معتبرة. وكذلك متابعة ما يصدر عن المجامع الفقهية والهيئات الشرعية في المصارف الإسلامية من قرارات وفتاوى متعلقة بهذا الباب.
ماذا بعد فهم الحكم الشرعي؟
من المهم أن يدرك المستثمر أن كون السهم مباحاً من الناحية الشرعية لا يعني أنه استثمار ناجح بالضرورة، فالحلال لا يضمن الربح والحرام لا يضمن الخسارة في الدنيا. فالمستثمر الذي يختار أسهماً حلالاً قد يخسر فيها إذا لم يُحسن اختيار الشركات من الناحية المالية، أو إذا لم يراعِ قواعد إدارة المخاطر والتنويع. ولذلك فإن البحث الشرعي خطوة أولى ضرورية لكنها ليست كافية وحدها، بل لا بد أن يصاحبها تعلم للجوانب المالية والاستثمارية.
وإذا توصل القارئ بعد بحثه الشرعي وسؤاله لأهل العلم الموثوقين إلى أنه يجوز له الاستثمار في الأسهم الأمريكية وفقاً للضوابط التي اطمأن إليها، فإن الخطوة التالية هي البحث عن الوسيلة المناسبة للدخول إلى هذا السوق. ومن ضمن ذلك اختيار شركة وساطة مناسبة توفر الوصول إلى السوق الأمريكي بتكاليف معقولة وخدمات موثوقة، ويمكن للقارئ بعد استكمال بحثه الشرعي والمالي الاطلاع على أفضل شركات تداول الأسهم الأمريكية كمرجع استرشادي، مع التأكيد على أن اختيار الوسيط يأتي بعد اتخاذ القرار الشرعي وليس قبله.
أسئلة شائعة حول الحكم الشرعي في الأسهم الأمريكية
هل كل الأسهم الأمريكية حرام؟
لا، ليست كل الأسهم الأمريكية حراماً. الأسهم التي يكون نشاط شركاتها الأساسي مباحاً وتلتزم بالضوابط الشرعية المتعلقة بنسب الديون والإيرادات المحرمة تعتبر جائزة عند كثير من العلماء المعاصرين. وإنما يحرم الاستثمار في الشركات التي يكون نشاطها الأساسي محرماً كالبنوك الربوية وشركات الخمور والقمار، أو التي تتجاوز نسب تعاملاتها المحرمة الحدود المعتبرة عند من يقول بجواز الأسهم المختلطة.
ما الفرق بين السهم النقي والسهم المختلط والسهم المحرم؟
السهم النقي هو سهم الشركة التي يكون نشاطها مباحاً بالكامل ولا تتعامل بالربا اقتراضاً ولا إقراضاً، وهذا نادر الوجود في الواقع المعاصر. والسهم المختلط هو سهم الشركة التي يكون نشاطها الأساسي مباحاً لكنها تتعامل بالربا بنسب معينة، وهذا هو الغالب في الشركات الكبرى اليوم. والسهم المحرم هو سهم الشركة التي يكون نشاطها الأساسي محرماً أو تتجاوز تعاملاتها المحرمة الحدود المعتبرة شرعاً.
هل يكفي الاعتماد على القوائم الشرعية المنتشرة في الإنترنت؟
القوائم الشرعية المنتشرة في الإنترنت متفاوتة في دقتها ومنهجيتها، فمنها ما يصدر عن جهات موثوقة ذات منهجية واضحة، ومنها ما يفتقر إلى الدقة والتحديث المستمر. والأفضل للمستثمر أن يتحقق من مصدر القائمة ومنهجيتها، وأن يسأل أهل العلم عن مدى اعتبارها، وألا يعتمد اعتماداً كلياً على قائمة واحدة دون فهم لأساسها ومعاييرها.
ماذا أفعل بالأرباح إذا اكتشفت أن الشركة فيها معاملات محرمة؟
من استثمر في شركة ظنها نقية ثم تبين له أن فيها نسبة من التعاملات المحرمة، فعليه أن يحسب هذه النسبة من أرباحه ويتخلص منها بالتصدق بها على الفقراء والمساكين أو في وجوه الخير العامة، دون أن يحتسبها من زكاته أو صدقاته الاختيارية. وإن كانت النسبة مرتفعة بحيث تُخرج الشركة من دائرة الجواز، فالأولى بيع السهم والبحث عن بديل أفضل.
هل الاستثمار في صناديق المؤشرات الأمريكية جائز شرعاً؟
صناديق المؤشرات التي تتبع مؤشرات عامة كمؤشر ستاندرد آند بورز تضم شركات متنوعة منها ما هو مباح ومنها ما هو محرم، ولذلك فإن الاستثمار فيها يكون استثماراً في خليط من الحلال والحرام. وقد ظهرت بعض الصناديق الإسلامية التي تتبع معايير شرعية في اختيار مكوناتها، وهذه قد تكون بديلاً مناسباً لمن يريد التنويع مع الالتزام بالضوابط الشرعية.
ملخص حكم تداول الاسهم الامريكية
إن الحكم الشرعي في الأسهم الأمريكية موضوع يستحق من المستثمر المسلم عناية خاصة، لأنه يجمع بين البعد الديني المتعلق بتحري الحلال في المكاسب، والبعد المالي المتعلق بفهم طبيعة السوق والشركات. وقد حاولنا في هذا المقال تقديم عرض متوازن لأقوال أهل العلم والهيئات الشرعية دون التعصب لقول على آخر، مع التأكيد على أن هذا العرض ليس فتوى شخصية وإنما هو تلخيص لما وصل إليه النقاش الفقهي المعاصر في هذه المسألة. والمستثمر الحصيف هو من يجمع بين تحري الحلال في ماله وبين الفهم الصحيح للجوانب المالية والاستثمارية، فلا يكفي أحدهما دون الآخر لتحقيق النجاح في الدنيا والآخرة. ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم الرزق الحلال الطيب المبارك فيه.
شارك تجربتك وآرائك مع المجتمع
جاري تحميل التعليقات...
كن أول من يشارك رأيه!